علماء الفيزياء
أخر الأخبار

سلفنا العظيم

سلفنا العظيم

لطالما كانت القدوات والرموز من أبرز ما يحفّز الإنسان على الاجتهاد والمثابرة، سعيًا إلى تحقيق إنجازات كتلك التي حققها من قرأ عنهم وتأثر بسيرهم.

 

منذ أن كنت صغيرًا، أحببت العلوم، ولكن خلال دراستي كانت غالبية أسماء العلماء الذين مرّوا علينا أسماءً أجنبية: مندل، ونيوتن، وآينشتاين، وغيرهم. ولم أشعر يومًا بالانتماء إليهم كما شعرت تجاه العلماء الذين ينتمون إلى تاريخي وحضارتي.

 

كان الحسن بن الهيثم من أوائل أسماء العلماء العرب الذين عرفتهم. وكلما تقدمنا في دراسة البصريات، ظل اسمه حاضرًا في مخيلتي؛ لما له من إسهامات أساسية في هذا العلم، وكان ذلك يبعث في نفسي شعورًا بالفخر.

 

لكن كان يراودني شعور بأن الحسن بن الهيثم كان حالة استثنائية في تاريخنا، وأنه لم يكن له نظراء وأنداد، حتى تعرفت إلى أسماء أخرى في شتى العلوم، مثل الخوارزمي، وجابر بن حيان، والرازي، وأبي القاسم الزهراوي، وابن البيطار، وغيرهم كثير.

 

هذه الأسماء لم أكن لأتعرف إليها لولا قراءتي في تاريخ العلوم. فصانعو حضارة اليوم لم يحققوا كل هذه الإنجازات العظيمة بمعزل عما أنجزته الحضارات السابقة، وكان لعلماء الحضارة الإسلامية إسهام مهم في مسيرة العلم وتطوره.

 

وتُنسب إلى إسحاق نيوتن مقولته الشهيرة:

 

«إذا كنت قد رأيت أبعد من غيري، فلأنني أقف على أكتاف العمالقة».

 

ومن هنا، أحب أن أوصي طلاب العلوم الطبيعية بكتابين يسلطان الضوء على جانب من تلك المنجزات العظيمة: كتاب «شمس العرب تسطع على الغرب» للمستشرقة الألمانية زيغريد هونكه، وكتاب «حضارة العرب» للمفكر والمؤرخ الفرنسي غوستاف لوبون.

 

فالقراءة عن سلفنا وما قدمه في ميادين العلم تبعث في النفس الفخر، ولكن الأهم من ذلك أنها تحفزها على الإبداع والعمل. ومن يدري؟ ربما يكون أحد قراء هذا المقال ممن سيكتبون أسماءهم يومًا ما بين هؤلاء العمالقة.

 

وأود هنا أن أورد بعض المقولات والشهادات التي تتحدث عن إسهامات الحضارة الإسلامية في العلوم الطبيعية.

 

يتحدث عالم الفيزياء الفلكية والكونيات نيل ديغراس تايسون عن كثرة أسماء النجوم ذات الأصول العربية، ويربط ذلك بما شهده العصر الذهبي للحضارة الإسلامية، ولا سيما خلال القرون التي ازدهرت فيها علوم الفلك والرياضيات والطب وغيرها. كما يشير إلى ضخامة ما تحقق في تلك الحقبة من اكتشافات وإسهامات في الفيزياء والطب والهندسة والزراعة والرياضيات، حتى إنه يستخدم جوائز نوبل -على سبيل الافتراض- للتعبير عن حجم ذلك الإنجاز العلمي، قائلًا إنه لو كانت تلك الجوائز موجودة في ذلك العصر لكان للمسلمين نصيب كبير منها.

 

أما زيغريد هونكه فتقول في كتابها «شمس العرب تسطع على الغرب»:

 

«لم يأخذ العرب العلوم التي ورثوها عن طريق الاقتباس من دون مناقشة أو تحقيق».

 

وتشير هونكه هنا إلى فكرة طالما تكررت في بعض الكتابات التي صورت الحضارة العربية والإسلامية على أنها لم تكن سوى جسر نقل علوم اليونان إلى أوروبا. وقد سعت في كتابها إلى تفنيد هذه النظرة، وإبراز ما أضافه العلماء العرب والمسلمون إلى العلوم التي وصلتهم، وكيف استفاد الأوروبيون لاحقًا من هذه المنجزات.

 

وتنقل هونكه عن المؤرخ الفرنسي للعلوم لويس بيير سيديو قوله:

 

«لقد توصل فلكيو بغداد في نهاية القرن العاشر إلى أقصى ما يمكن أن يتوصل إليه إنسان في رصد السماء».

 

وتتحدث هونكه أيضًا عن الصلات بين تطور علم الفلك في الحضارة الإسلامية وما ظهر لاحقًا في أوروبا، ومن ذلك أعمال العالم نور الدين البطروجي ونقده لنظرية بطليموس في حركة الكواكب، وما يُبحث حول أثر هذه الأعمال في تطور علم الفلك الأوروبي وصولًا إلى كوبرنيكوس.

 

كما تتناول في كتابها قصة وصول رموز الأرقام إلى أوروبا، وهي الأرقام التي عُرفت في أوروبا باسم «الأرقام العربية»، وتستعرض أثر العلوم العربية والإسلامية في تطور المعرفة الأوروبية.

 

أما غوستاف لوبون، فيقول في كتابه الماتع «حضارة العرب»:

 

«ولم يلبث العرب، بعد أن كانوا تلاميذ معتمدين على كتب اليونان، أن أدركوا أن التجربة والرصد خير من أفضل الكتب».

 

ويتحدث كذلك عن المنهج التجريبي ومكانته لدى العلماء العرب، ويناقش نسبة تأسيس هذا المنهج إلى روجر بيكون، مؤكدًا سبق العلماء العرب في الاعتماد على التجربة والرصد بوصفهما ركنين أساسيين في البحث العلمي.

 

ولو أردنا استعراض إنجازات علماء الحضارة الإسلامية في العلوم الطبيعية، لاحتجنا إلى كتب كاملة، ولن تسعها مقالة مهما طالت.

 

ولست أدعو هنا إلى الركون إلى إنجازات الماضي والاكتفاء بالافتخار بها، ولا إلى الوقوف على أطلالها والبكاء عليها؛ فغاية هذه المقالة مختلفة تمامًا.

 

إنها دعوة لطلاب العلوم إلى أن يقرأوا تاريخهم العلمي، لا لكي يعيشوا في الماضي، بل لكي يستلهموا منه ما يدفعهم إلى المستقبل. فهؤلاء العلماء لم يصبحوا عمالقة لأنهم اكتفوا بما تركه لهم من سبقهم، بل لأنهم تعلموا وأضافوا وجرّبوا واكتشفوا.

 

لقد وقفوا هم أيضًا على أكتاف عمالقة سبقوهم، ثم أصبحوا أكتافًا وقف عليها من جاء بعدهم.

 

وربما حان الوقت لأن نضيف أكتافًا جديدة.

اظهر المزيد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى