
قد يوحي العنوان بأنني سأتحدث عن تقلبات الزمان بغاليليو، وما الذي حصل له في آخر عمره، ومن ظن ذلك فلن أستطيع لومه؛ فالعنوان قد يُفهم منه ذلك.
من المعروف أن غاليليو، في أواخر حياته، استُدعي للكنيسة بعد نشر كتابه «حوار حول النظامين الرئيسيين للعالم»، الذي ناقش فيه النظامين البطلمي والكوبرنيكي، ودافع بصورة واضحة عن فكرة حركة الأرض حول الشمس. ورمي بالزندقة والهرطقة وسجن لفترة لكنه خرج بعد فترة وقضى بقية حياته تقريبًا تحت الإقامة الجبرية في منزله، ثم أصيب بالعمى في سنواته الأخيرة، حتى توفي عام 1642م.
لكن حديثي اليوم سيكون مختلفًا؛ فلن أتحدث عن حياته، ففي هذه المنصة مقال يتناول ذلك.
مقصدي بـ «أحوال غاليليو مع الزمن» أن لغاليليو – في نظري – ثلاثة أحوال مع زمانه:
في الحالة الأولى كان سابقًا لزمنه، كما هي عادة العظماء في كثير من المجالات.
وفي الثانية لم يستطع مواكبة أحد الاكتشافات المهمة في زمنه.
أما في الثالثة، فيمكننا أن نتساءل: ماذا لو جاء غاليليو في زمن متأخر قليلًا، بعد أن أصبحت بعض الأدوات الرياضية متاحة؟
⸻
1- عندما سبق غاليليو زمنه
غاليليو غاليلي (1564–1642م)
دائمًا ما يرتبط اسم غاليليو بنشأة العلم الحديث، وبترسيخ أهمية التجربة والقياس الرياضي في دراسة الطبيعة. ومن أشهر أعماله تجاربه ودراساته المتعلقة بحركة الأجسام والسقوط والحركة على المستويات المائلة.
لكن غاليليو لم يعتمد على التجارب العملية وحدها، بل استخدم أيضًا التجارب الفكرية بصورة لافتة، ومن أشهر أمثلتها تجربة السفينة.
تخيّل أنك داخل الكابينة الرئيسية لإحدى السفن ومعك بعض أصدقائك. يوجد أمامك وعاء مملوء بالماء وفيه أسماك، وزجاجة تتساقط منها قطرات الماء إلى إناء أسفلها، وبعض الحشرات تطير داخل المكان.
راقب كل ذلك والسفينة ساكنة.
ثم اجعل السفينة تبحر بأي سرعة تريد، بشرط أن تكون حركتها منتظمة دون تسارع أو اضطراب.
بحسب غاليليو، لن تلاحظ أي اختلاف في التجارب التي تجريها داخل الكابينة؛ فالأسماك ستسبح بالطريقة نفسها، وقطرات الماء ستسقط بالطريقة نفسها، والحشرات ستطير كما كانت، وعندما ترمي شيئًا إلى صديقك فلن تحتاج إلى رميه بقوة أكبر في اتجاه دون الآخر بسبب حركة السفينة.
وهنا تكمن الفكرة العميقة:
إذا كنت داخل نظام يتحرك بسرعة ثابتة، فلن تستطيع من خلال التجارب الميكانيكية داخله أن تعرف هل أنت ساكن أم تتحرك حركة منتظمة.
وهذه الفكرة أصبحت تُعرف بـ مبدأ النسبية الغاليليّة.
وبعد نحو ثلاثة قرون، أصبح مبدأ النسبية أحد المنطلقات الأساسية التي بنى عليها ألبرت آينشتاين نظريته في النسبية الخاصة، وإن كانت نظرية آينشتاين قد تجاوزت التصور الغاليلي وأضافت إليه أفكارًا جوهرية تتعلق بالضوء والمكان والزمان.
وهكذا نجد أن تجربة فكرية طرحها غاليليو في القرن السابع عشر حملت فكرة ستظل أساسية في الفيزياء لقرون بعده.
هنا كان غاليليو سابقًا لزمنه.
⸻
2- عندما لم يستطع غاليليو مواكبة زمنه
يصعب على طالب يدرس الفيزياء والفلك اليوم ألا يمر على قوانين كبلر لحركة الكواكب.
يوهانس كبلر عالم رياضيات وفلك ألماني، وكان معاصرًا لغاليليو ومؤيدًا للنظام الكوبرنيكي القائل بحركة الأرض حول الشمس.
ينص قانون كبلر الأول على أن كواكب المجموعة الشمسية تدور حول الشمس في مدارات إهليلجية (بيضاوية)، وتكون الشمس في إحدى بؤرتي المدار.
وكان هذا خروجًا مهمًا عن التصور القديم الذي أعطى الدائرة مكانة خاصة في تفسير حركة الأجرام السماوية.
ولم يصل كبلر إلى هذه النتيجة بسهولة؛ فقد اعتمد بصورة كبيرة على الرصود الفلكية الدقيقة التي جمعها عالم الفلك الدنماركي تيخو براهي، ثم أمضى سنوات طويلة في تحليلها ومحاولة الوصول إلى نموذج رياضي يفسر حركة الكواكب، وخصوصًا كوكب المريخ.
لكن هنا تظهر مفارقة مثيرة.
فغاليليو، الذي كان مستعدًا للدفاع عن حركة الأرض وعن النظام الكوبرنيكي رغم ما ترتب على ذلك من صدام مع السلطات الكنسية، لم يتبنَّ مدارات كبلر الإهليلجية، وظل متمسكًا بالحركة الدائرية في تصوره لحركة الكواكب.
وهنا يبرز السؤال:
ما الذي دفع غاليليو إلى ذلك؟
هل كان الأمر خلافًا علميًا ومنهجيًا؟
هل كان غاليليو شديد التعلق بفكرة الحركة الدائرية الكاملة؟
وهل لعبت طبيعة العلاقة العلمية بينه وبين كبلر دورًا في ذلك؟
من الصعب أن نجزم بدافع نفسي مثل الحسد أو الاستعلاء دون دليل تاريخي واضح.
لكن هذه الحادثة تقدم لنا درسًا مهمًا:
قد يكون الإنسان ثوريًا في فكرة، ومحافظًا في فكرة أخرى.
وحتى العالم الذي يسبق عصره في مجال ما، قد يعجز عن قبول فكرة جديدة صحيحة ظهرت أمامه.
وهنا، على عكس الحالة الأولى، لم يكن غاليليو سابقًا لزمنه، بل كان الزمن العلمي يتحرك أمامه في هذه المسألة.
⸻
3- عندما تقدّم الزمان على غاليليو
ينص مبدأ القصور الذاتي، بصيغته الحديثة، على أن الجسم يحافظ على حالة سكونه أو حركته المنتظمة في خط مستقيم ما لم تؤثر فيه قوة محصلة تغيّر تلك الحالة.
ولا يمكن فهم قوانين نيوتن دون فهم هذا المبدأ.
وكان غاليليو أحد أهم من مهّدوا تاريخيًا لفكرة القصور الذاتي من خلال دراسته للحركة، لكن الصياغة التي نعرفها اليوم اكتملت لاحقًا ضمن الميكانيكا الكلاسيكية.
وهنا يأتي السؤال:
ما الذي كان ينقص غاليليو حتى يصل إلى ما وصل إليه نيوتن بعده؟
لا توجد إجابة بسيطة وحاسمة؛ فالثورات العلمية لا تعتمد عادة على أداة واحدة.
لكن أحد الفروق المهمة بين عصر غاليليو وعصر نيوتن هو تطور الأدوات الرياضية التي أصبحت متاحة لوصف الحركة والتغير بصورة أكثر قوة.
وهنا يظهر حساب التفاضل والتكامل.
يُنسب إلى إسحاق نيوتن وغوتفريد فيلهلم لايبنتس تطوير حساب التفاضل والتكامل بصورة مستقلة في القرن السابع عشر، وأصبحت هذه الرياضيات أداة شديدة القوة في دراسة الحركة ومعدلات التغير.
ومن المفارقات الجميلة في تاريخ العلم أن نيوتن وُلد في العام نفسه الذي توفي فيه غاليليو: 1642م.
وكأن جيلًا علميًا كان يسلّم الراية إلى جيل آخر.
كان غاليليو يمتلك خيالًا فيزيائيًا استثنائيًا، وقدرة على النظر إلى الحركة بطريقة مختلفة عن كثير ممن سبقوه، لكن الأدوات الرياضية والمفاهيم التي ستسمح لاحقًا ببناء الميكانيكا الكلاسيكية بصورتها المتكاملة لم تكن قد نضجت بعد في عصره.
ومن هنا يمكن أن نطرح سؤالًا افتراضيًا ممتعًا:
ماذا لو امتلك غاليليو الأدوات الرياضية التي أصبحت متاحة لنيوتن؟
وماذا لو كان حساب التفاضل والتكامل قد تطور قبل زمنه؟
هل كان غاليليو سيصل إلى بعض القوانين التي نربطها اليوم باسم نيوتن؟
هل سيتغير ترتيب أهم العلماء في تاريخ الفيزياء ؟
لا يمكننا بالطبع معرفة الإجابة؛ فالتاريخ لا يعطينا فرصة لإعادة التجربة.
لكن هذا السؤال يجعلنا ننظر إلى العبقرية بطريقة مختلفة؛ فالعالِم مهما بلغ من الذكاء لا يعمل منفصلًا عن زمنه. يحتاج إلى أفكار من سبقوه، وإلى الأدوات الرياضية والتجريبية المتاحة في عصره، وإلى أسئلة أصبح العلم مستعدًا أصلًا لطرحها.
⸻
غاليليو والزمن
وهكذا تبدو علاقة غاليليو بالزمن في ثلاث صور مختلفة:
مرةً سبق زمنه، عندما قدّم أفكارًا عن الحركة والنسبية ستظل مؤثرة بعده بقرون.
ومرةً لم يواكب زمنه، عندما لم يتبنَّ اكتشاف كبلر للمدارات الإهليلجية.
ومرةً سبقه الزمن الذي لم يأتِ بعد، حين كانت تنقص عصره بعض الأدوات الرياضية والمفاهيم التي ستساعد الجيل التالي على بناء الميكانيكا الكلاسيكية.
ولعل هذه هي الفكرة الأجمل في قصة غاليليو:
العظماء قد يسبقون زمانهم، لكن حتى أعظم العقول تظل بطريقة ما أبناء زمن





نشكر لكم استاذ عبدالعزيز العنزي هذه المشاركة المميزة في مشروع سلسة علماء الفيزياء والتي أضافت للمشروع زاوية تحليلية جميلة
بارك الله فيك وفي علمك عبدالعزيز.
أجمل عبارة والتي اتفق معها “فالعالِم مهما بلغ من الذكاء لا يعمل منفصلًا عن زمنه. يحتاج إلى أفكار من سبقوه، وإلى الأدوات الرياضية والتجريبية المتاحة في عصره، وإلى أسئلة أصبح العلم مستعدًا أصلًا لطرحها.”